عبد الملك الجويني
28
الشامل في أصول الدين
لأنه نفس في العدم . وإن زعمتم أنه يفتقر إلى المحل لحدوثه ، فيلزم افتقار كل حادث إلى المحل ، ويلزم أيضا أن تمنعوا الإرادة الحادثة للّه ، وهي غير حالة في محل . فبطل تعويلهم على صفة الحدوث ، وتقرر عليهم مثل ذلك في اختصاص تحيز الجوهر بالحدوث . ومما يعظم عليهم موقعه أن نقول : من أصلكم أن التماثل والاختلاف يرجعان إلى الاجتماع في أخص الأوصاف والاختلاف فيه ، وهذا أصل المعتزلة بأجمعهم . ثم من قولهم إن كل ذاتين اجتمعا في الأخص ، يلزم اجتماعهما في جملة الأوصاف ، ومن ذلك نفوا الصفات القديمة ، لما اعتقدوا أن أخص أوصاف الباري القدم فلو ثبتت صفة قديمة ، لاجتمع الذات الصفة في الأخص ، ويلزم منه ثبوت الإلهية للصفة . فنقول لهم : السواد المعدوم مشارك للسواد الحادث في أخص الأوصاف ، فلا تخلون إما أن تقولوا : إنهما مثلان ، فينقض ذلك أصلكم في وجوب استواء المثلين في الصفات . فإن من حكم العرض المعدوم أن يقوم بنفسه ولا يجوز غير ذلك فيه ، ومن حكم العرض الحادث أن يقوم بغيره ، وكلا الوصفين لازمان في الوجود والعدم . وإن قلتم : إنهما لا يتماثلان ، ففيه إبطال أصل مذهبكم في التماثل عند الاجتماع في أخص الأوصاف . واعلموا وفقكم اللّه أن أدلة هذه المسألة لا تحصى كثرة ، وما من عقد من العقود إلا ما شاء اللّه يستقيم لأهل الحق إلا وينخرم عليهم بإثباتهم المعدوم شيئا ، على ما ستأتيك الأصول على ترتيبها إن شاء اللّه عز وجل . شبهة للمعتزلة فمما تمسك به متأخروهم أن قالوا : لو قلتم إن المعدوم معلوم ، وليس بشيء ، لجاز أن يقال : إنه مدرك وليس بشيء ، وهذا الذي قالوه تمسك بمعارضة بين عبارتين من غير رجوع إلى محصول . وأول ما نخاطبهم به الطلبة بالدليل على وجوب استواء حكم العلم والإدراك فيما قالوا ، ولا يجدون إلى ذلك الدليل سبيلا . ولو جاز ادعاء اجتماعهما من غير دليل ، جاز ادعاء تباينهما من غير دليل . والذي قالوه بمثابة ما أنكرناه ، وأنكروه من سؤال الدهرية على قول أهل الحق : ما لا يسبق الحوادث حادث ، فقالوا : ملزمينا ، لو كان كما قلتم للزم أن يقال ما لا يسبق اللون لون إلى غير ذلك من الترهات . ونقول : بم تنكرون على من يقول لكم مثل ما قلتموه ؟ فنقول : لو صح شيء لا يدرك